السيد علي الطباطبائي

396

رياض المسائل ( ط . ق )

مروية في التهذيب في أواسط باب الزيادات من هذا الكتاب ويستفاد منها جواز بيع ماله عليه للحاكم إذا أبى عنه بعد الحبس وبه أفتى الأصحاب أيضا وإن ادعى الإعسار وهو عندنا كما في كنز العرفان عجزه عن أداء الحق لعدم ملكه لما زاد عن داره وثيابه اللائقة بحاله ودابته وخادمه كذلك وقوت يوم وليلة له ولعياله الواجبي النفقة فإن كان له أصل مال قبل ذلك أو كان أصل الدعوى مالا كلف البينة على تلفه فإن لم يقمها حبس إلى أن يتبين الإعسار على المشهور للنصوص ففي الموثق وغيره أن عليا ع كان يحبس في الدين فإذا تبين له إفلاس وحاجة خلى سبيله حتى يستفيد مالا وأما الصحيح كان عليه السلم لا يحبس في السجن إلا ثلاثة الغاصب ومن أكل مال اليتيم ظلما ومن ائتمن على أمانة فذهب بها وإن وجد له شيئا باعه غائبا كان أو شاهدا فقال الشيخ إنه لا تنافي بينه وبين الخبرين الأولين لأن الوجه فيه أحد شيئين أحدهما أنه ما كان يحبس على جهة العقوبة إلا الذين ذكرهم والثاني أنه ما كان يحبسهم حبسا طويلا إلا الثلاثة الذين استثناهم لأن الدين إنما يحبس فيه بقدر ما يتبين خالة فإن كان معدما وعلم ذلك من حاله خلى سبيله وإن لم يكن معدما ألزم الخروج مما عليه أو يباع عليه ما يقضى به دينه انتهى وفي الوجهين بعد ولا سيما الثاني إلا أنه لا بأس بهما لرجحان الأخبار الأولة على الصحيحة من وجوه عديدة أظهرها كونها مفتى بها دون هذه لمخالفة الحصر فيها للإجماع جدا وإن لم يعرف له أصل مال ولا كانت الدعوى ما لا بل كانت جناية أو صداقا أو نفقة زوجة أو قريب أو نحو ذلك قبل قوله بيمينه لموافقة دعواه الأصل فيكون كالمنكر بخلاف ما إذا كان أصل الدعوى مالا فإن أصالة بقائه يمنع قبول قوله ومع ثبوته أي ثبوت إعساره بالبينة أو اليمين أو تصديق المدعي ينظر ويمهل حتى يمكن له الوفاء ويتيسر على الأظهر الأشهر كما صرح به الماتن هنا وفي الشرائع وجمع ممن تأخر للأصل وقوله سبحانه وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وللأخبار المتقدمة أخيرا حتى الصحيح منها نظرا إلى مفهوم الحصر فيه الدال بعمومه على عدم الحبس هنا فما في المسالك من عدم وضوح دلالته كما ترى والعجب منه ومن الفاضل المقداد في شرح الكتاب حيث لم يقفا على ما عدا الصحيحة من الموثق وغيره المتقدمين قبلها مع كونهما مرويين في التهذيب والاستبصار في هذا الكتاب فروى ما عدا الموثق في الأول في أواخر باب كيفية الحكم والقضاء وروي الموثق والصحيحة في أواسط باب الزيادات منه وروي فيه بعد الصحيحة بلا فاصلة رواية ظاهرة الدلالة على المختار كالسابقة هي للسكوني كالصحيحة برواية عبد اللَّه بن المغيرة عنه وقد حكي على تصحيح ما يصح عنهما إجماع العصابة وفيها أن امرأة استعدت على زوجها أنه لا ينفق عليها وكان زوجها معسرا فأبى ع أن يحبسه وقال إن مع العسر يسرا [ في تسليمه إلى الغرماء رواية ] ولكن في تسليمه إلى الغرماء ليؤاجروه أو يستعملوه رواية عمل بها في النهاية وقد عرفت أن الأشهر منها ما دل على تخليته وإنظاره إلى يساره وهو مع ذلك أكثر عددا وأوضح سندا والأوفق بالأصل والآية الكريمة كما مضى فلا تكافؤ بينهما أصلا سيما مع كون هذه شاذة لا عامل بها حتى الشيخ لرجوعه في الخلاف عما ذكره في النهاية إلى ما عليه أصحابنا ولابن حمزة قول ثالث ففصل بين ما إذا كان المعسر ذا حرفة يكتسب بها فالثاني وغيره فالأول مستدلا عليه بالرواية الأخيرة والمناقشة فيه واضحة لعدم دلالة فيها على التفصيل المزبور بل ولا إشارة ولا يمكن الاستدلال له بالجمع بين الأدلة والروايات المختلفة لعدم التكافؤ أولا وعدم وضوح الشاهد عليه ثانيا فهذا القول ضعيف كسابقه بل وأضعف جدا وإن نفى عنه البعد في المختلف كضعف ما اعتذر به من أنه يتمكن من أداء ما وجب عليه وإيفاء صاحب الدين حقه فيجب عليه كما يجب عليه السعي في المئونة ومع تمكنه من الكسب لا يكون معسرا لأن اليسار كما يتحقق بالقدرة على المال يتحقق بالقدرة على تحصيله ولهذا منع القادر على التكسب من أخذ الزكاة إلحاقا له بالغني القادر على المال وذلك فإن غاية ما ذكره وجوب تكسبه كيف شاء لا تسلط الغريم على منافعه بالاستيفاء والإجارة كما ذكره ابن حمزة نعم لو توانى عن هذا الواجب بحيث يترتب به ضرر على الغرماء أمكن أن يجبره الحاكم على التكسب دفعا للضرر والتفاتا إلى أنه نوع أمر له ولو رأى أنه لا ينجع فيه جبره وإقامته على الفعل الواجب إلا بالدفع إلى الغرماء أمكن الجواز لما مر ويمكن أن يحمل عليه الخبر الذي مر واعلم أنه لو ارتاب الحاكم بالمقر وشك في بلوغه أو عقله أو اختياره أو نحو ذلك مما هو شرط في صحة إقراره توقف في الحكم بإقراره حتى يستبين حاله من بلوغ ورشد ونحو ذلك بلا إشكال ووجهه واضح [ أما الإنكار ] وأما الإنكار ف‍ اعلم أن عنده [ القول في المدعي ] أي عند الإنكار يجب أن يقال للمدعي ألك بينة إن جهل مطالبتها منه وإن كان عالما بها جاز للحاكم السكوت عن ذلك كما جاز له السؤال عنها فإن قال المدعي نعم لي البينة جاز للحاكم أمره بإحضارها مطلقا كما عليه أكثر أصحابنا على ما صرح به في المسالك وغيره ومنهم الشيخان والديلمي والحلبي والقاضي في أحد قوليه وأكثر المتأخرين خلافا للمبسوط والتهذيب والسرائر فلم يجوزوه مطلقا لأنه حق له فله أن يفعل فيه ما يرى وللفاضل في المختلف والقواعد والشهيد في الدروس فالتفصيل بين علم الحاكم بمعرفة المدعي بكون المقام مقام بينة فالثاني لما مر وجهله بذلك فالأول لئلا يضيع حقه وحجج هذه الأقوال غير واضحة عدا ما استدل للأكثر من أن الأمر هنا ليس للوجوب والإلزام بل لمجرد إذن وإعلام والتحقيق أن يقال إن قصد المانع عن الأمر بالإحضار في الجملة أو مطلقا المنع عنه حرمة مطلقا ولو كان المقصود به الإرشاد ونحوه دون الوجوب فالحق مع المجوز للأصل مع عدم دليل عليها كذلك والدليل المتقدم له لا يفيدها بل مفاده المنع عن الأمر إذا قصد به الوجوب لا مطلقا وإن قصد المنع عنه كذلك مع قصد الوجوب منه خاصة لا مطلقا كما أفاده دليله فالمنع متوجه حينئذ إلا أن الظاهر من المجوز ودليله كما عرفته اختصاص الجواز بما إذا قصد بالأمر الإرشاد والإعلام وحينئذ فيعود النزاع لفظيا في المقام وكيف كان فإذا أحضر المدعي البينة عند الحاكم وعرف عدالتها سمعها وحكم بشهادتها بعد التماس المدعي سماعها والحكم بها ثم لا يقول لهما اشهدا لأنه أمر وهو لا يأمرهما بل يقول من كان عنده كلام أو شهادة فليذكر ما عنده إنشاء فإن أجابا بما لا يثبت به حق طرح قولهما وإن قطعا بالحق المدعى فطابق الدعوى وعرف العدالة حكم كما ذكرنا وإن عرف فسقهما ترك شهادتهما ولا يطلب التزكية